نصر حامد أبو زيد
16
الاتجاه العقلي في التفسير
ولقد اعتبر المسلمون - فيما يقول نيكلسون - « انتصار بني أمية وعلى رأسهم معاوية انتصارا للأرستقراطية الوثنية التي ناصبت الرسول وأصحابه العداء ، والتي جاهدها رسول اللّه حتى قضى عليها وصبر معه المسلمون على جهادها ومقاومتها حتى نصرهم اللّه ، فقضوا عليها وأقاموا على أنقاضها دعائم الاسلام . . . لذلك لا ندهش إذا كره المسلمون بني أمية وغطرستهم وكبرياءهم وإثارتهم الأحقاد القديمة ، ونزوعهم للروح الجاهلية ، ولا سيما أن جمهور المسلمين كانوا يرون بين الأمويين رجالا كثيرين لم يعتنقوا الاسلام إلّا سعيا وراء مصالحهم الشخصية . ولا غرو فقد كان معاوية يرمي إلى جعل الخلافة ملكا كسرويا . وليس أدلّ على ذلك من قوله - فيما يروي اليعقوبي - « أنا أول الملوك » 15 . ( 2 ) لم يكف الخوارج وكذلك الشيعة عن نضالهم السياسي والعسكري ضد الحكم الأموي . وفي مواجهة الأفكار التبريرية للمرجئة كان لا بدّ من التسلح بالفكر الديني الذي يلتزم النص القرآني لمواجهة الصراع الفكري جنبا إلى جنب مع الصراع السياسي والعسكري . وكانت قضية الإمامة والحكم على الإمام الجائر هي أساس الحوار الفكري والعقائدي الذي تمايزت به القوى السياسية ، واصطبغت من خلاله بالصبغة الدينية والعقائدية . « والخوارج بأسرها يثبتون إمامة أبي بكر وعمر ، وينكرون إمامة عثمان - رضوان اللّه عليهم - في وقت الأحداث التي نقم عليه من أجلها ، ويقولون بإمامة علي قبل أن يحكم ، وينكرون إمامته لمّا أجاب إلى التحكيم ، ويكفّرون معاوية وعمرو بن العاص وأبا موسى الأشعري ، ويرون أن الإمامة في قريش وغيرهم إذا كان القائم بها مستحقا لذلك ، ولا يرون إمامة الجائر » 16 وهو موقف واضح وصريح ويتسم بالشجاعة والجرأة وقليل من المغالاة خصوصا في إنكارهم إمامة علي لقبوله التحكيم . ومن جانب آخر فرأيهم في الخلافة وفي جواز أن تكون في قريش أو غيرها ، ورأيهم في إنكار إمامة الجائر ، كل ذلك يتطابق تطابقا كاملا مع سعيهم الدائب لإزالة حكم بني أمية بالسيف حتى كانوا - فيما يقال - يتهافتون على الموت تهافت الفراش على النار . ولقد كان من الطبيعي أن يستقطب الفكر السياسي الثوري للخوارج « الطبقات المعدمة الرقيقة الحال في المجتمع الاسلامي ، التي راقتها كثيرا ميول الخوارج الديموقراطية واحتجاجهم على مظالم الحكام والولاة » 17 كما انضم إليهم أيضا « أولئك العرب الخلّص من رجال الصحراء وبخاصة بعض القبائل العربية